الشيخ محمد هادي معرفة
352
تلخيص التمهيد
وخمط « 1 » . فإنّ لفظ الجنّة يصدق على كلّ شجر ملتفّ يستر الأرض بظلّ أغصانه ، كائناً ما كان . ومن الشجر ما له نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب ، وما له نفع قليل كالأثل والخمط . ومع هذا فلو احترقت لاشتدّ أسف صاحبها ، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب . ثم إنّ الجنّة وإن كانت من نخيل وأعناب ، فما لم تجر الأنهار من تحت أشجارها لم يكن لها نفع عظيم بسكنها ، ولم تكن لها حياة ونضارة البتة . فتمّم هذا النقص بقوله : « تَجري مِن تَحتِهَا الأَنَهار » . وإذا انضمّت إلى النخل والأعناب كلّ الثمرات كان وصفها أتمّ ونفعها أعظم والأسف على فسادها أشد . ولذلك تمّم هذا النقص وبالغ فيه بقوله : « لَهُ فيهَا مِن كُلّ الثَمرات » . ولمّا فرغ من وصف الجنّة شرع في وصف صاحبها ، فوصفه بالكِبَر ، وهي حالة يأس عن إمكان استئناف العمل لو ذهبت الأتعاب أدراج الرياح . فقال - محتاطاً - : « وَأصَابَهُ الكِبَر » . ثمّ لو كان عقيماً ولم يخلف ذراري ضعافاً كان الأمر هيّناً بعض الشيء ، وسلّاه قرب الأجل ، لكن إذا كان قد خلف ذرّيّة ضعفاء فإنّ الأسف على ضياعها أمرّ وأشدّ . ولذلك تمّمه بقوله : « ولَه ذُرّيَّة » . وأضاف وصفها بالضعف « ضُعَفاء » لأنّ الإطلاق يحتمل كونهم أقوياء لا حاجة لهم إلى تركة أبيهم ، فكان ذلك يخفض من شدّة أسفه ، ويقلّ من وطأة غمّه . وأخيراً أخذ في وصف الحادث المهلك الذي أصاب الجنّة ، فقال : « فأصابَهَا إعصَار » . لكن لمّا كان الإعصار لا يعجّل فساد الشجر والزرع ما لم يكن فيه نار تمّمه بقوله : « فيهَ نَار » تأكيداً على ذلك . والإعصار عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعَجاج الكثيف الذي دوامه واستمرارهُ يُعمي عيون الأنهار ويطمّ الآبار ، ويحرق بوهج سمومه الزروع والأشجار ، وهذا معنى « فيهَ نَار » أدارها على الجنّة فاحترقت من شدّة لهبها ووهجها . كأنها دوّامة نار تدور عليها في وسط ذلك الإعصار .
--> ( 1 ) . الأثل : نوع من الطرفاء . والخمط نبت له مرارة . وكلاهما من الأشواك المرّة .